فصل: تفسير الآيات (46- 48):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (41):

{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)}
أخرج الفريابي وأبو الشيخ عن أبي الضحى رضي الله عنه قال: أوّل ما نزل من براءة {انفروا خفافاً وثقالاً} ثم نزل أولها وآخرها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه قال: أول شيء نزل من براءة {انفروا خفافاً وثقالاً} ثم نزل أولها وآخرها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه قال: أول شيء نزل من براءة {انفروا خفافاً وثقالاً}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {انفروا خفافاً وثقالاً} قال: نشاطاً وغير نشاط.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحكم في قوله: {انفروا خفافاً وثقالاً} قال: مشاغيل وغير مشاغيل.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {انفروا خفافاً وثقالاً} قال: في العسر واليسر.
وأخرج ابن المنذر عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله: {خفافاً وثقالاً} قال: فتياناً وكهولاً.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة في قوله: {خفافاً وثقالاً} قال: شباباً وشيوخاً.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: قالوا: إن فينا الثقيل وذا الحاجة والصنعة والشغل والمنتشر به أمره في ذلك، فأنزل الله: {انفروا خفافاً وثقالاً} وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً وعلى ما كان منهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه قال: جاء رجل زعموا أنه المقداد وكان عظيماً سميناً، فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى، فنزلت يومئذ فيه {انفروا خفافاً وثقالاً} فلما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها، فنسخها الله فقال: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} [ التوبة: 91] الآية.
وأخرج ابن جرير عن حضرمي قال: ذكر لنا أن أناساً كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلاً أو كبيراً فيقول: إني لا آثم، فأنزل الله: {انفروا خفافاً وثقالاً} الآية.
وأخرج ابن سعد وابن أبي عمر العدني في مسنده وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس بن مالك. أن أبا طلحة قرأ سورة براءة، فأتى على هذه الآية {انفروا خفافاً وثقالاً} قال: أرى ربنا يستنفرنا شيوخاً وشباباً. وفي لفظ فقال: ما أسمع الله عذر أحد أجهزوني. قال بنوه: يرحمك الله تعالى قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، وغزوت مع أبي بكر حتى مات وغزوت مع عمر رضي الله عنه حتى مات، فنحن نغزو عنك. فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير فدفنوه فيها.
وأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن سيرين رضي الله عنه قال: شهد أبو أيوب رضي الله عنه بدراً ثم لم يتخلف عن غزوة للمسلمين إلا عاماً واحداً، وكان يقول: قال الله: {انفروا خفافاً وثقالاً} فلا أجدني إلا خفيفاً وثقيلاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن أبي راشد الحبراني قال: رأيت المقداد فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص يريد الغزو فقلت: لقد أعذر الله تعالى إليك. قال: ابت علينا سورة التحوب {انفروا خفافاً وثقالاً} يعني سورة التوبة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي يزيد المديني قال: كان أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن الأسود يقولان: أمرنا أن تنفر على كل حال، ويتأوّلان قوله تعالى {انفروا خفافاً وثقالاً}.

.تفسير الآية رقم (42):

{لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42)}
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: الا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب ابنة عظيم الروم؟ فقال رجلان: قد علمت يا رسول الله أن النساء فتنة فلا تفتنا بهن فأْذَن لنا. فأذن لهما، فلما انطلقا قال أحدهما: إن هو إلا شحمة لأوّل آكل، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه في ذلك شيء، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المياه {لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك} ونزل عليه {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [ التوبة: 43] ونزل عليه {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر} [ التوبة: 43] ونزل عليهم {إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون} [ التوبة: 95].
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما {لو كان عرضاً قريباً} قال: غنيمة قريبة {ولكن بعدت عليهم الشقة} قال: المسير.
وأخرجه ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: {لو كان عرضاً قريباً} يقول: دنيا يطلبونها {وسفراً قاصداً} يقول: قريباً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {والله يعلم إنهم لكاذبون} قال: لقد كانوا يستطيعون الخروج ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم وزهادة في الجهاد.

.تفسير الآية رقم (43):

{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)}
أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير عن عمرو بن ميمون الأودي رضي الله عنه قال: اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء إذنه للمنافقين وأخذه من الأسارى، فأنزل الله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مورق العجلي رضي الله عنه قال: سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا، بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال: {عفا الله عنك لم أذنت لهم}.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} قال: ناس قالوا: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.
وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم...} الآيات الثلاث. قال: نسختها {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} [ سورة: 62].
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم...} الآية. قال: ثم أنزل الله بعد ذلك في سورة النور {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم}.

.تفسير الآيات (44- 45):

{لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)}
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر} الآيتين. قال: هذا تفسير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال: {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم}.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله...} الآيتين. قال: نسختها الآية التي في سورة النور {إنما المؤمنون الذي آمنوا بالله ورسوله} [ النور: 62] إلى {إن الله غفور رحيم} [ النور: 62] فجعل الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.

.تفسير الآيات (46- 48):

{وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48)}
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: {ولكن كره الله انبعاثهم} قال: خروجهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فثبطهم} قال: حبسهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً} قال: هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك، سأل الله عنها نبيه والمؤمنين فقال: ما يحزنكم {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً} يقول: جمع لكم وفعل وفعل يخذلونكم.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ولأوضعوا خلالكم} قال: لأسرعوا بينكم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {ولأوضعوا خلالكم} قال: لارفضوا {يبغونكم الفتنة} قال: يبطئنكم عبدالله بن نبتل، وعبدالله بن أبي ابن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي {وفيكم سماعون لهم} قال: محدثون بأحاديثهم غير منافقين، هم عيون للمنافقين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: {وفيكم سماعون لهم} قال: مبلغون.
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن الحسن البصري قال: كان عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد بن تابوت، من عظماء المنافقين وكانوا ممن يكيد الإِسلام وأهله، وفيهم أنزل الله تعالى {لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور} إلى آخر الآية.

.تفسير الآية رقم (49):

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)}
أخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال لجد بن قيس: «ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فقال: إني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن أفتتن فائذن لي ولا تفتني، فأنزل الله: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} الآية».
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لجد بن قيس: يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر؟ قال جد: أتأذن لي يا رسول الله؟ فإني رجل أحب النساء، وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن افتتن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عنه: قد أذنت لك. فأنزل الله: {ومنهم من يقول ائذن لي...} الآية».
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اغزوا تغنموا بنات بني الأصفر. فقال ناس من المنافقين: إنه ليفتنكم بالنساء. فأنزل الله: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني}».
وأخرج ابن مردويه عن عائشة {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} قال: نزلت في الجد بن قيس، قال: يا محمد ائذن لي ولا تفتني بنساء بني الأصفر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغزوا تبوك تغنموا بنات الأصفر نساء الروم. فقالوا: ائذن لنا ولا تفتنا بالنساء».
وأخرج ابن اسحق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل من طريقه عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبي بكر بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما كان يخرج في وجه من مغازيه إلا أظهر أنه يريد غيره، غير أنه في غزوة تبوك قال: «أيها الناس إني أريد الروم فاعلمهم، وذلك في زمان البأس وشدة من الحر وجدب البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص عنها، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في جهازه إذ قال للجد بن قيس: يا جد هل لك في بنات بني الأصفر؟ قال: يا رسول الله لقد علم قومي أنه ليس أحد أشد عجباً بالنساء مني، وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يفتنني فَأْذن لي يا رسول الله. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت. فأنزل الله: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا} يقول: ما وقع فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبته بنفسه عن نفسه أعظم مما يخاف من فتنة نساء بني الأصفر {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} يقول: من ورائه. وقال رجل من المنافقين {لا تنفروا في الحر} فأنزل الله: {قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون} [ التوبة: 81] قال: ثم إن رسول الله جدَّ في سفره وأمر الناس بالجهاز، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان رضي عنه في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم منها وحمل على مائتي بعير».
وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة وموسى بن عقبة قالا «ثم إن رسول الله تجهز غازياً يريد الشام فأذن في الناس بالخروج وأمرهم به، وكان ذلك في حر شديد ليالي الخريف والناس في نخيلهم خارفون، فأبطأ عنه ناس كثير وقالوا: الروم لا طاقة بهم. فخرج أهل الحسب وتخلف المنافقون، وحدثوا أنفسهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجع إليهم أبداً، فاعتلوا وثبطوا من أطاعهم وتخلف عنه رجال من المسلمين بأمر كان لهم فيه عذر، منهم السقيم والمعسر، وجاء ستة نفر كلهم معسر يستحملونه لا يحبون التخلف عنه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجد ما أحملكم عليه. فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً أن لا يجدوا ما ينفقون، منهم من بني سلمة، عمر بن غنمة، ومن بني مازن ابن النجار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، ومن بني حارث علية بن زيد ومن بني عمرو بن عوف بن سالم بن عمير، وهرم بن عبدالله، وهم يدعون بني البكاء، وعبدالله بن عمر، ورجل من بني مزينة، فهؤلاء الذين بكوا واطلع الله عز وجل أنهم يحبون الجهاد، وأنه الجد من أنفسهم، فعذرهم في القرآن فقال: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} [ التوبة: 91] الآية والآيتين بعدها.
وأتاه الجد بن قيس السلمي وهو في المسجد معه نفر فقال: يا رسول الله ائذن لي في القعود فإني ذو ضيعة وعلة فيها عذر لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجهز فإنك موسر لعلك ان تحقب بعض بنات بني الأصفر. فقال: يا رسول الله ائذن لي ولا تفتني. فنزلت {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} وخمس آيات معها يتبع بعضها بعضاً، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، كان فيمن تخلف عنه غنمة بن وديعة من بني عمرو بن عوف، فقيل: ما خلفك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مسلم؟ فقال: الخوض واللعب. فأنزل الله عز وجل فيه وفيمن تخلف من المنافقين {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} [ التوبة: 65] ثلاث آيات متتابعات»
.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو تبوك قال «نغزو الروم إن شاء الله ونصيب بنات بني الأصفر- كان يذكر من حسنهن ليرغب المسلمون في الجهاد- فقام رجل من المنافقين فقال: يا رسول الله قد علمت حبي للنساء فائذن لي ولا تخرجني، فنزلت الآية».
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ولا تفتني} قال: لا تخرجني {ألا في الفتنة سقطوا} يعني في الحرج.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {ولا تفتني} قال: لا تؤثمني {ألا في الفتنة} قال: ألا في الإِثم سقطوا.